ما اللامركزية؟

يعتبر تدشين نظام جديد للإدارة المحلية او التحول للامركزية أبرز التحولات الديمقراطية الجذرية أهمية. ولقد حددت الدساتير في مصر وتونس أسس جديدة لأنظمة الإدارة المحلية، بحيث تكفل الدولة بمقتضاها دعم اللامركزية، ووسائل تمكين الوحدات الإدارية (الجماعات المحلية) من توفير المرافق المحلية، وإدارتها، وذلك من خلال برنامج الزمني لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية. وهذه الأسس المعيارية الجديدة لنظام الإدارة المحلية تعكس بلا شك أفق تحول كبير في شكل الإدارة المحلية وعلاقتها بالسلطات المركزية.

ونتناول في هذا المقال تحليل مستويات اللامركزية المختلفة حيث يعتبر كل مستوى من مستويات اللامركزية خطوة على طريق نقل السلطات من الحكومة المركزية إلى الاجهزة المحلية، كما نناقش حدود الاصلاحات المعيارية في نظام الإدارة المحلية في مصر وتونس ودلالاتها الرمزية Symbolic. كما ينصب تركزينا على استخلاص خبرة تجربة الإدارة المحلية المصرية وأهم سجالتها او جدل، حكم ام إدارة والتنافس حول معاني تمثيل المجتمع من خلال أجهزة محلية متعددة المستويات، وعلاقته بمشكلة تكثيف السلطة وأثرها على اخفاق التجربة وفشلها في تحقيق اهدفها. ونكرس المبحث الاخير لدراسة علاقة الإدارة المحلية بالسلطات المركزية ووضعها في النظام السياسي الجديد، رغم ان الإدارة المحلية في النظام الدستوري المصري ما راوحت مكانها بعد كفرع ثالث من السلطة التنفيذية إلى جانب الرئيس والحكومة.

مستويات اللامركزية – حدود التغيير في نظام الإدارة المحلية:

تعتبر عملية التحول للامركزية ممارسة قانونية معيارية، مرتبطة بإعادة مأسسة Institutionalized المجال العام، لا يمكن فهم دلالتها الرمزية إلا في إطار جدليتها مع علاقات القوة الاجتماعية[1]. واللامركزية بهذا الشكل عملية تحول متعددة ، حيث كل مستوى من مستويات اللامركزية يعتبر خطوة على طريق نقل سلطات الحكومة المركزية إلى الإدارات أو الحكومات المحلية وتعتبر اللامركزية السياسية أكثر مستويات اللامركزية تطورًا. وبينما تدق التفرقة ما بين الفيدرالية المستوياتFederalism واللامركزية السياسية، يمكننا ببساطة تعريف النظام الأخير باعتباره تطبيق معكوس من الفيدرالية. فبيد أن الفيدرالية هي اتحاد ما بين عدة دول أو ولايات في شكل دولة اتحادية مثل الولايات المتحدة، ألمانيا الاتحادية، وروسيا الاتحادية الخ. فإن اللامركزية السياسية هي نقل السلطات من الحكومة المركزية إلى إدارات أو حكومات الإقليم وهو الأمر الذي حدث في بلدان مثل البرازيل وجنوب افريقيا التي تحولت من دول احادية إلى دول اتحادية.

والدساتير العربية الجمهورية – باستثناء الدستور العراقي- سواء السابقة على أحداث الربيع العربي أو اللاحقة عليها ولا سميا في مصر وتونس، لا تعترف Recognize باللامركزية السياسية، ولا تسمح بتمثيل المحافظات في البرلمان من خلال غرفة ثانية، حيث يتشكل البرلمان وفق الدستوران المصري والتونسي من غرفة واحدة “مجلس النواب” و “مجلس نواب الشعب” وينتخب أعضائهما وفق قاعدة التمثيل العادل للسكان عند ترسيم الدوائر الانتخابية وبشكل يتجاهل عدالة تمثيل الأقاليم المحلية ذات الكثافة السكانية المنخفضة. ورغم أن المادة 102 من دستور سنة 2014 المصري تنص على التمثيل العادل للمحافظات في مجلس النواب، إلا أن الجمع ما بين قاعدتي التمثيل في مجلس النواب، وفق قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد أنتهى إلى تهميش تمثيل المحافظات الصغرى لصالح تمثيل الكبرى[2].

والحقيقة أن مصر منذ اعلان الجمهورية وتونس منذ استقلالها دول أحادية أو تتكون من وحدة واحدة لا تقبل الانقسام، ورغم أن مصر عرفت صور من الاتحادية أو الفيدرالية في تجارب وحدوية عربية في القرن العشرين مثل تجربة الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 واتحاد الجمهوريات العربية سنة 1971 إلا أن الإقليم المصري ظل أقاليم واحد غير قابل للتقسيم أو بعبارة أخري إقليم مركزي. وفي تجارب الأخذ بنظام المجلسين لم تكن الغرفة الثانية من البرلمان مخصصة لتمثيل المحافظات تمثيل متساو او منصف بل كانت مخصصة لتمثيل الطوائف والاعيان “مجلس الشيوخ” أو تمثيل الخبراء “مجلس الشورى” و”مجلس الشيوخ”، بخلاف فرنسا، على سبيل المثال، التي رغم كونها دولة أحادية يعترف دستورها باللامركزية السياسية ضمنًا ويخصص الغرفة الثانية من البرلمان “مجلس الشيوخ” لتمثيل سائر الأقاليم المحلية بالجمهورية الفرنسية بما فيها الأقاليم ما وراء البحار[3]

ولا شك تجاهل الاعتراف باللامركزية السياسية في مصر وتونس يعكس رمزيًا شدة تركز السلطة وهو ما يرتبط بعجز الحركة الإقليمية كحركة اجتماعية مطلبية تعكس قدرة الأقاليم المحلية على تسيس أزماتها إلا على نحو محدود كنتيجة لمحصلة علاقات القوة الاجتماعية. ومع ذلك هذا لا يتعارض مع ان التفاعلات التي سوف تجري في المجال العام السياسي ما بين المجالس المحلية المنتخبة والأجهزة البيروقراطية سوف تفسح المجال على المدي البعيد للاعتراف باللامركزية السياسية من خلال التقدم على طريق اللامركزية الإدارية والمالية. على سبيل المثال، فرنسا التي تعتبر من البلدان الأوروبية التي عرفت تحولًا متأخرًا للامركزية رغم اعترافها المبكر نسبيًا ببعض ملامح اللامركزية السياسية لم تتطور نظمها المحلية إلا من خلال التوازنات ما بين السياسة المحلية والإدارة البيروقراطية أي الإدارة-المشتركة Co-administration المكونة من الساسة المحليين والعاملين بالخدمة المدنية[4].

والحقيقة ان مصر وتونس عرفتا أشكال متنوعة الاغراض من المرافق العامة Public Facilities الخدمية والإنتاجية مستوحاة من النموذج الفرنسي كنتيجة مباشرة لتدخل الدولة في الاقتصاد وهو الوضع الذي أنتج بيروقراطية واسعة النفوذ. ولهذا إطلاق نظام جديد للإدارة المحلية في البلدين يعترف بسمو المجالس المحلية المنتخبة على سائر الأجهزة المحلية لن يحقق أهدافه بدون توازنات دقيقة ما بين أولوية السياسة المحلية واعتبارات الإدارة البيروقراطية بما يسمح بالحد من تغولها Overpowering على كل ما هو سياسي بطبيعته كما كان الحال من قبل. وهو ما يتطلب إصلاحات قانونية معيارية (مالية وإدارية) تأمن إعادة مأسسة المجال العام السياسي باعتباره الحيز الذي سوف تجري داخله التفاعلات ما بين المجالس السياسية والأجهزة البيروقراطية.  

 ويجب ان تركز هذه الإصلاحات المعيارية على تذليل العقبات التي تعيق التحول للامركزية المالية واستقلال الإدارة المحلية بموازناتها أو فصل موازنات الإدارة المحلية عن الموازنة العامة للدولة. وهذه الإصلاحات ضرورية لإيجاد توازن ما بين الساسة المحليين والأجهزة البيروقراطية لان افتقاد المرونة المالية قد يؤدي عمليًا لشلل الساسة المحليين. ويعتبر من أبرز هذه العقبات ضعف مصادر تمويل الإدارة المحلية وعلى رأسها الضرائب العقارية Property Taxes وغيرها من الضرائب ذات الطبيعة المحلية وعدم قدرة الإدارة المحلية على فرض ضرائب والرسوم المحلية بموجب اجراء مباشر وتعليق حقها في ذلك على موافقة او إجازة مركزية. بالإضافة لمشاكلات متعلقة بحق الإدارة المحلية في الاقتراض وبهيكل أجور العاملين المدنيين في الإدارة المحلية، ووزنه النسبي من إجمالي نفقات الموازنات المحلية.

ومن ناحية اخري التحول للامركزية الإدارية مرهون بإصلاح معياري لنظام العاملين المدنيين في الدولة أو نظام الخدمة المدنية Civil Serves وهذا الإصلاح لابد أن يتمحور حول: (أ) إخضاع نظام الخدمة المدنية لأولويات الإدارة المحلية وإنهاء هيمنة الحكومة المركزية تدريجيًا على هذا النظام، (ب) واشراك المجالس الشعبية المحلية في عملية اختيار الوظائف المدنية العليا. وما يعنينا هنا هو لفت الانتباه لأهمية اصلاح نظام العاملين المدينين في الدولة والتحول للامركزية الإدارية أو لاستقلال الإدارة المحلية العضوية والوظيفية عن السلطة التنفيذية المركزية، خاصة وأن قانون الخدمة المدنية الجديد قد تجاهل هذه الاعتبارات، بل على العكس من ذلك جاء هذا القانون بما يرسخ مركزية الوظيفية العامة وهيكل أجور العامليين المدنيين[5].

تجربة اللامركزية – جدل حكم ام إدارة: 

لا شك ان الدولة المركزية ورموزها القانونية تطورت عبر تدشين مجتمع منظم ومنضبط وخاضع بالكامل للسلطة/ السيادة الحديثة عبر آليات ممارسة التحكم والمناهج الانضباطية بما في ذلك إعادة تعيين المكان وتقسيمه والتدخل في حيوات الناس واخضعها للرقابة والتسيير.[6] وقد أفضي هذا الشكل من المركزية إلى ربط أوجه النشاط الاجتماعي مباشرة بتدابير السلطة وأوامرها وتوجهاتها من أول قيد المواليد وتسجيل الزواج وحتى أنشاء المدن والقري وتخطيطها مرورًا بالتعليم والصحة والأمور الثقافية والترفيهية. مما أصبحت معه المجتمعات المحلية المعاصرة محجوبة عن المشاركة في صناعة القرارات التي تمس حياتهم بشكل مباشر. ويجدر بنا فهم تجربة اللامركزية – في هذا السياق النظري الذي يفسر تركيز السلطات – باعتبارها عملية تحول جارية بشكل عام في علاقات القوة الاجتماعية.

ويعتبر السجال بشأن طبيعة الأجهزة المحلية او جدل حكم ام إدارة، أبرز النقاشات السياسية التي دارات خلال العقود الأربعة الماضية حول اللامركزية وربما اكثرها شهرة. وهذا السجال نشأته ترجع لما يمكن تسميته بالحقل القانوني Juridical Field وهو مجال مستقل نسبيًا عن المحددات والضغوط الخارجية[7]. حيث جري فقه القانون العام في فرنسا ومصر على التمييز ما بين اعمال الحكم واعمال الإدارة وفق معيار طبيعة العمل؛ حيث تعتبر أعمال الحكم وحدها من اعمال السيادة ولا تخضع للرقابة القضائية بعكس اعمال الإدارة. ولهذا عدل المشرع المصري عن تسمية الأجهزة المحلية ـ “بالحكم” واستبدلها بتسمية “الإدارة” تحت تأثير هذه الاعتبارات الفقهية خاصة وان الأجهزة المحلية من وجهة نظر الفقه لا تختص بمباشرة أي من اعمال الحكم/ السيادة[8]

والحقيقة ان السجال العام بشأن تسمية الأجهزة المحلية من أبرز ارهاصات التنافس ما بين المعارضة الديمقراطية والحكومة المركزية حول الدلالة الرمزية لتمثيل المجتمع من خلال أجهزة محلية متعددة المستويات. ومع ذلك من المفارقات ان القانون الذي اعتمد تسمية “الحكم” اعطي الأجهزة المحلية صلاحيات اقل بكثير من القانون اللاحق عليه والذي اعتمد تسمية “إدارة”. حيث تعتبر المحطة الأهم والأكثر جدية في تجربة اللامركزية هي صدور قانون الإدارة المحلية سنة 1979– معمول به إلى الآن – الذي فوض اختصاصات الوزراء في الحكومة المركزية فيما يتعلق بالشؤون المحلية للمحافظين واخضعهم لرقابة المجالس الشعبية المحلية، ولهذا نري أهمية تجاوز هذا السجال والتركيز مباشرة على مبدأ سمو Supremacy هذه المجالس على سائر الأجهزة المحلية.  

فرغم الاعتراف القانوني بسمو المجالس الشعبية المحلية (المنتخبة) رمزيًا، تعكس خبرة الإدارة المحلية في مصر مدي التوتر بينها وبين المجالس التنفيذية. فبينما يخول القانون المجالس الشعبية المنتخبة اختصاصات رئيسية أبرزها انشاء وإدارة المرافق المحلية إلا أن ممارسة هذه الاختصاصات ظل مرهون بتعاون المجالس التنفيذية، التي بدورها وبحكم كونها (معينة) وغير مستقلة من الناحيتين العضوية والوظيفية عن الحكومة المركزية[9]، لم تكن تسلم بطبيعة دورها كأذرع تنفيذية للمجالس الشعبية المنتخبة. ولقد تفاقم الاختلال بين شعبتي الإدارة المحلية نتيجة ضعف ومحدودية الأدوات الرقابية المتاحة للمجالس الشعبية، خاصة مع إلغاء حق هذه المجالس في سحب الثقة من التنفيذين، وهو مما ادي في الممارسة الي تهميش المجالس المنتخبة لصالح المجالس المعينة.

وارتبطت أجهزة الإدارة المحلية، باعتراف قادة الحزب الوطني الديمقراطي (المنحل) أنفسهم، بظاهرة الفساد خلال المرحلة الأخيرة من حكم مبارك[10]، ولقد تدرج هذا الفساد من قاعدة الإدارة المحلية إلى قمتها، مما باعد بين تلك الإدارة وبين هموم ومشكلات المواطنين الحياتية، مما أعاق بشكل كبير التحول للامركزية أو إقامة نوعًا من الديمقراطية المحلية. ولا شك أن ظاهرة الفساد تعكس الاضطرابات المؤسساتية Institutional والخلل في العلاقة ما بين المجالس الشعبية المنتخبة وسائر الأجهزة المحلية. وفي ظل غياب المجالس المنتخبة (او ضعف حضورها) المنوط بها الرقابة السياسية على الأجهزة المحلية لا تستطيع الجهات الرقابية المركزية مثل هيئة الرقابة الإدارية او الجهاز المركزي للمحاسبات ان تضع حد لظاهرة الفساد بالأدوات القانونية المجردة.

 والحقيقة انه في ظل وجود تعددية سياسية مقيدة، كان الحزب الوطني الديمقراطي (المنحل) يسطر على الأغلبية الكاسحة من مقاعد المجالس الشعبية المحلية وعددها 1750 مجلس تمثل مستويات متعددة من أول المحافظة وحتى القري، من خلال انتخابات مشكوك في نزاهتها وحيدتها، وبمشاركة ضعيفة من الناخبين، ولم ينجح في مشاركة الحزب المنحل مقاعد هذه المجالس عبر تاريخ الإدارة المحلية في مصر، إلا عدد محدود من مرشحي الأحزاب والقوي السياسية التقليدية مثل الوفد الجديد، والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وجماعة الإخوان المسلمين. وهو ما برر في اعقاب نجاح الانتفاضة الشعبية في 25 يناير من سنة 2011 حل المجالس الشعبية المحلية المنتخبة سنة 2008 بحكم من محكمة القضاء الإداري بالقاهرة كأثر لحل الحزب الوطني الديمقراطي بحكم قضائي من المحكمة الإدارية العليا.

ولا شك أن الحكم بحل المجالس الشعبية المحلية كان حكمًا تاريخيًا، أنهي هيمنة الحزب الوطني الديمقراطي المنحل على هذه المجالس استجابة لمزاعم عدم مشروعية او صلاحية Validity هذه المجالس التي تأكدت من خلال النقاش حولها بالمجال العام السياسي الذي كان في أوج انفتاحه وتوسعه وقتها لدرجة استيعاب السجالات حول أكثر القضايا تهميشًا بما في ذلك مسألة الإدارة المحلية[11]. إلا أن فشل وتخلف العملية السياسية التي تلت هذا الحكم ادي لغياب وجود هذه المجالس لنحو عقد من الزمان وهو ما أطلق يد المجالس التنفيذية بشكل كامل في ممارسة اختصاصات الإدارة المحلية بدون أي قدر ولو محدود من الرقابة وأضعف بشكل كبير فرص طرح القضايا المحلية للنقاش العام، وقلص من فرص التواصل ما بين جمهور المنتفعين بالمرافق العامة المحلية وبين الإدارة التنفيذية من خلال آليات المجالس الشعبية المنتخبة. 

حدود علاقة الإدارة المحلية بالسلطات المركزية:

من جهة نظر انطوني جيدينز Anthony Giddens اللامركزية شرط من شروط الفاعلية السياسية وتمثل ضمان لتدفق المعلومات من القاعدة للقمة، حيث تعمل اللامركزية في كثير من الأحيان على تعزز سلطة المركز، سواء بسبب البدائل السياسية أو لأنها تخلق فائض في الشرعية[12]. إلا ان تحصيل هذا الفائض من الشرعية يظل رهن استقلال الأجهزة المحلية من الناحيتين الإدارية والمالية على الأقل كما أشرنا فيما سبق.  ولهذا تعتبر حدود علاقة الأجهزة المحلية بالسلطات المركزية، من حيث التبعية والاستقلال، بالغة الأهمية فيما يتعلق بتقييم فاعلية النظم اللامركزية ومدى نجاحها في توفير البدائل السياسية.    

ومن المعروف أن السلطات الزمنية Temporal Powers في النظم الدستورية الحديثة تنقسم إلى ثلاث سلطات هي السلطة التشريعية، التنفيذية، والقضائية. وهناك اتجاه معاصر ينظر إلى الاجهزة المحلية باعتبارها سلطة رابعة تحتل مكانتها ما بين السلطات التقليدية في الدولة وتتحدد علاقتها بهذه السلطات من خلال اعمال مبدأ الفصل ما بين السلطات[13]. والحقيقة أنه لا يمكننا الزعم بأن مبدأ الفصل ما بين السلطات كان مطبق في مصر بكفاءة في أي وقت من الأوقات، وسواء إذا كنا نقصد التطبيق المرن أو الجامد لهذا المبدأ[14].  حيث تغولت السلطة التنفيذية في كل الحقب على السلطتين التشريعية والقضائية. والإدارة المحلية رغم ما تتمتع به وحداتها من شخصية اعتبارية مستقلة إلا انها كما سبق أن أوضحنا، لا تعتبر مستقلة تمامًا من الناحيتين العضوية والوظيفية عن الحكومة المركزية أو عن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.

حيث لا يُعترف بالإدارة المحلية في النظام الدستوري المصري إلا باعتبارها فرع ثالث من السلطة التنفيذية إلى جانب الرئيس والحكومة باستثناء وحيد هو دستور سنة 2012 الذي اعترف بها كسلطة مستقلة [15]. ووفق قانون الإدارة المحلية الساري، يعيين رئيس الجمهورية المحافظين ويعفيهم من مناصبهم ويعتبر المحافظ ممثلًا للسلطة التنفيذية بالمحافظة ويشرف على تنفيذ السياسة العامة للدولة وعلى مرافق الخدمات والإنتاج في نطاق المحافظة ويكون المحافظ مسئولًا أمام رئيس مجلس الوزراء عن مباشرته لاختصاصاته المنصوص عليها في قانون الإدارة المحلية[16]. وهذه الوضعية التي يخضع فيها المحافظ لإشراف الحكومة المركزية ويكون مسؤول أمامها، كان يبررها عمليًا عدم مسؤولية المحافظين أمام المجالس الشعبية المحلية إلا أن هذا الوضعية ستكون مربكة مع نفاذ نظام الإدارة المحلية الجديد الذي يعترف بسمو هذه المجالس.  

وهذا الاعتراف مظهره الاهم هو تخويل المجالس الشعبية المنتخبة الحق في حجب الثقة عن رؤساء الوحدات المحلية بما فيهم المحافظين بما لذلك من دلالة رمزية تعكس الطبيعة “السياسية” لوظيفة المحافظين. والحقيقة أن الإدارة المحلية تظهر وكأنها جسد بلا رأس حيث يلتبس على الفهم وضع المحافظ كرئيس لأجهزة الإدارة المحلية أو المحافظة حيث يمثلها قانونًا كشخص اعتباري مستقل، وان يكون في نفس الوقت ممثلا للحكومة المركزية أو السلطة التنفيذية أي كلاً من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وهو الامر الذي لم يخرج عنه مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد[17] (ومن الشائع أن يعتبر المحافظ ممثلا لرئيس الجمهورية بالتحديد ولهذا تنتهي ولاية المحافظون حكمًا بانتهاء ولاية رئيس الجمهورية). وما يترتب على هذه الوضعية المربكة هو ازدواج مسؤولية المحافظين حيث يخضعوا لرقابة المجالس الشعبية المنتخبة من الناحية السياسية ويخضعوا لرقابة مجلس الوزراء من الناحية الوظيفية.

وهذا الازدواج يمثل تهديد قد يقوض فرص نجاح نظام الإدارة المحلية الجديد، خاصة مع إصرار مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد على اعتبار المحافظ ممثلًا للحكومة المركزية. حيث ترتب على هذا الإصرار، الغير مبرر دستوريًا، توقيف مصير المحافظين حال حجب المجالس الشعبية المنتخبة الثقة عن أحدهم[18] على تصرف رئيس الجمهورية[19]. بينما فتحت المادة 179 من دستور سنة 2014 مجال لتغيير هذه الوضعية غير المنسجمة مع التوجه نحو اللامركزية حيث نصت على أن “ينظم القانون شروط وطريقة “تعيين” أو “انتخاب” المحافظين، ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، ويحدد اختصاصاتهم” وحسب هذه المادة أصبح من الممكن إعادة تصميم نظام الإدارة المحلية بحيث يكون المحافظين ممثلين للإدارة المحلية وليس ممثلين للحكومة المركزية أو السلطة التنفيذية وهو ما ينطبق كذلك على رؤساء الوحدات المحلية حال انتخابهم من المجالس الشعبية المحلية انتخاب غير مباشر.

وفي تونس يعترف دستور سنة 2014 بالجماعات المحلية كسلطة مستقلة تراتبية، لهذا لا وجود لمشكلة الازدواج حيث لم يسمح للولاة في النظام الجديد بأن يتولوا رئاسة المجالس المحلية كما كان الأمر من قبل[20]. ولهذا لا يخضع الولاة (المحافظون) باعتبارهم ممثلين للحكومة المركزية لرقابة المجالس المحلية المنتخبة، بالعكس، تخضع هذه المجالس لرقابة الولاة لضمان عدم تجاوزها لاختصاصاتها الإدارية والمالية، وهو ما يبرر من ناحية تعين رئيس الوزراء للولاة، ومن ناحية اخرى إعفائهم من المسؤولية أمام المجالس المحلية المنتخبة. وهذا النظام أقرب ما يكون لنظام الجماعات المحلية الفرنسي حيث يعتبر الوالي في النظام التونسي مقابل لممثل الدولة [Représentant de l’Etat] لدى الجماعات المحلية الفرنسية الذي يمثل الحكومة المركزية ويعمل على ضمان احترام المجالس المحلية للقوانين ويختص بالرقابة الإدارية عليها. (ويتقاسم هذا النظام السمات الاساسية نفسها لنظام الإدارة المحلية الذي نص عليه دستور سنة 2012 في مصر ولم تتاح له فرصة التطبيق).

والنظام التونسي الجديد يبدو لأول وهلة أكثر سلاسة او اقل تعقيدًا في الممارسة العملية (رغم انه لم يختبر بشكل كاف) واقل عرضه لمخاطر تغول السلطة التنفيذية الكامنة في النظام المصري الجديد إلا ان هذا النظام الأخير يتضمن إمكانية ديمقراطية أعظم تتمثل في اتاحة انتخاب المحافظين سواء انتخاب غير المباشر، او انتخاب مباشر على الطريقة الانجلو-أمريكية Anglo-American. ويرجع هذا لان انتخاب المحافظين (على الأخص في حالة انتخابهم بالطريق غير المباشر واخضاعهم لرقابة المجالس الشعبية المنتخبة وهو الأقرب لروح دستور سنة 2014 وخطته الاستراتيجية بشأن إطلاق نظام جديد للإدارة المحلية) ينهي تدخل الحكومة المركزية المباشر، من خلال ممثل مقيم ذي مرتبه رفيعة مثل الوالي او ممثل الدولة، في اعمال الأجهزة المحلية. ومن نتائج هذا ان يختص القضاء الإداري او مجلس الدولة دون سواه بالفصل في المنازعات ما بين الإدارة المحلية والحكومة المركزية وهو ما يضمن استقلال الإدارة المحلية عمليًا أكثر من أي إصلاح معياري أخر. وهو ما يوضح لنا كيف تتأثر الإصلاحات المعيارية بالخبرة المنبثقة عن التجربة. 


[1] See: Jürgen Habermas, (1994 [1992]) Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Translated by William Rehg (Cambridge, The MIT Press) p 175.

[2] ولقد حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص المادة الثالثة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 202 لسنة 2014 في شأن تقسيم دوائر انتخابات مجلس النواب، في مجال انطباقه على الانتخاب بالنظام الفردي لعدم مراعاة التمثيل العادل للسكان في تقسيم الدوائر الانتخابية. أنظر: الحكم رقم 18 لسنة 37 ق دستورية عليا بجلسة 2/3/2015 الجريدة الرسمية.

[3] تنص المادة 24 من الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 على أن يكون تمثيل الوحدات المحلية Collectivités Territoriales أو “الجماعات المحلية” (بالترجمة المغاربية) بالغرفة الثانية من البرلمان او مجلس الشيوخ”.

[4] Hélène Reigner (1999) The Transformations of Local Government in France: Towards a Co-Administration Model Between Local Authorities and State Field Services. Working Paper: ECPR, Mar, 1999.

[5] خلال تجربة تطبيق قانون العامليين المدنيين في الدولة رقم 47 لسنة 1979 خفف التطبيق المرن لهذا القيود من مركزية الوظيفة العامة من خلال نظام التعيين بالتعاقد ومن مركزية هيكل الأجور من خلال الأجر المتغير ورغم من أن هذا قد تسبب في قدر كبير من عدم المساواة وتكافؤ الفرص وفتح باب خلفي للفساد والتلاعب إلا أن معالجة القانون 18 لسنة 2015 كانت غير موفقة في محاولاتها لتبسيط وتوحيد قواعد التعين والاجر على حساب التحول للامركزية الإدارية. 

[6] See: Timothy Mitchell (1991) Colonising Egypt: With a new preface. (Berkley: University of California Press)

[7] Pierre Bourdieu (1986) The Force of Law: Toward a Sociology of the Juridical Field. Translated by:  Richard Terdiman (The Hastings Law Journal, Vol. 38, July, 1987). P 815.

[8] نص القانون رقم 57 لسنة 1971 على إلغاء القانون رقم 124 لسنة 1960 بشأن نظام الإدارة المحلية. وعلى ان المحافظات والمدن والقرى هي وحدات الحكم المحلي. ويتم إنشاؤها وإلغاؤها بقرار من رئيس الجمهورية، ويكون لكل منها الشخصية الاعتبارية.

[9] وحرص مؤسسة الرئاسة على تعيين أغلبية المحافظين ورؤساء المدن والمراكز والحياء من شخصيات عسكرية تفتقد في الغالب لمعاير الكفاية المطلوبة لشغل مثل هذه المناصب. كذلك كأن من شأن قاعدة، تعيين مدراء المديريات العامة ووكلاء الوزارات الأول بالأقدمية الوظيفة، أن تسيطر على المجالس التنفيذية (تُشكل من هؤلاء المدراء والوكلاء) كوادر بيروقراطية تفتقد لروح المبادرة والابتكار. ولم يتغير الأمر كثيرا بعد تطبيق قاعدة التعيين بالاختيار للوظائف العليا للمدراء والوكلاء، بل زاد الطين بله تدخل الأجهزة الأمنية في هذه التعيينات في المرحلة الأخيرة من حكم مبارك.

[10] الإشارة هنا لتصريح عضو مجلس الشعب السابق ورئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق زكريا عزمي “الفساد وصل للركب” والحقيقة أنه رغم أننا لا ننكر فساد الإدارة المحلية باي حال من الأحوال إلا أن هذا النوع من التصريحات كان يقصد به التعمية على الفساد الكبير في الحكومة والهيئات العامة والجدير بالذكر أن زكريا عزمي قد واجه اتهامات بالفساد في اعقاب الانتفاضة الشعبية في 25 من يناير سنة 2011.

[11]   الحكم في القضية رقم 22575 ورقم 30195 ورقم 28010 ورقم 29549 لسنة 65 ق – قضاء إداري، القاهرة، بالتاريخ 28/6/2011 (غير منشور)

[12]  Anthony Giddens (1994) Beyond Left and Right: The Future of Radical Politics. (London: Polity Press) p67.

[13] See: ـــــــــــــــــــــ (2009) Decentralization and Local Democracy in The World: 2008 first global report by united cities and local governments (Washington: The World Bank Press)

[14] التطبيق المرن لمبدأ الفصل ما بين السلطات يقصد به التداخل في الاختصاصات ما بين السلطات مثل واقع الامر في المملكة المتحدة حيث يعتبر البرلمان غرفة تشريعية للحكومة الحائزة على ثقة اغلبية البرلمان المطلقة. وعادة ما يرتبط هذا النوع من التطبيق بالنظم البرلمانية. على العكس من ذلك، يعتبر التطبيق الجامد لمبدأ الفصل ما بين السلطات هو وضع حدود واضحة ما بين اختصاصات السلطات المختلفة مثل واقع الامر في الولايات المتحدة حيث يحظر على رئيس الولايات المتحدة حل الكونجرس كما لا يحق للأخير سحب الثقة منه. وعادة ما يرتبط هذا النوع من التطبيق بالنظم الرئاسية.

[15] يفهم من تقسيم دستور سنة 2012 كان نظام الإدارة المحلية يعتبر سلطة رابعة مستقلة نظم احكامها الباب الرابع من الكتاب الثالث “السلطات العامة” المواد من 183 إلى 192. إلا أن المادة 235 من نفس الدستور نصت على انه “يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه فى الدستور بالتدريج خلال عشر سنوات من تاريخ العمل به.”

[16] ويلتزم المحافظ بتقديم تقارير دورية إلى الوزير المختص بالإدارة المحلية (وزير الدولة للتنمية المحلية) عن نتائج الأعمال في مختلف الأنشطة التي تزاولها المحافظة ويتشكل من رئيس مجلس الوزراء والمحافظين مجلس يسمي مجلس المحافظين يرأسه رئيس مجلس الوزراء.

[17] المادة 15 من مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد تنص على أن ” يمثل المحافظ السلطة التنفيذية بالمحافظة، ويراقب تنفيذ السياسة العامة للدولة ومرافق الخدمات والإنتاج في نطاق المحافظة وإنفاذ قوانين وأنظمة الحوكمة”.

[18] المادة 119 من مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد تنص على أن ” وللمجلس المحلي بعد مناقشة الاستجواب وثبوت مسئولية من وجه إليه الاستجواب أن يقرر سحب الثقة منه بأغلبية ثلاثة أرباع أعضاء المجلس المحلي وفي هذه الحالة يجب إبعاد من تثبت مسئوليته عن موقعه. فإذا كان من ثبتت مسئوليته هو المحافظ أو أي من نوابه يرفع الأمر لرئيس الجمهورية لاتخاذ ما يراه بشأنه، أما إذا كان من غير ما تقدم يرفع أمره للمحافظ المختص لاتخاذ ما يراه بشأنه”.

[19] ولا شك ان مشروع قانون الإدارة المحلية يتزايد فيما يشترط من توافر اغلبية خاصة أو اغلبية ثلاثة أرباع، لسحب الثقة من المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية الأخرى، بشكل قد يفرغ حق المجالس الشعبية المحلية في الاستجواب وسحب الثقة من مضمونه، والطبيعي ان يكتفي القانون بالأغلبية العادية لسحب الثقة من المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية الأخرى (وهي الأغلبية التي بتطلبها الدستور لسحب الثقة من مجلس الوزراء).

[20] سالم كرير المرزوقي (2017) التنظيم السياسي والإداري في الجمهورية الثانية (تونس: مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المتخصص) ص 265.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top