قانون المحاماة: خطوة للأمام وخطوتين إلى الخلف

“المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون”

المادة 198 من الدستور، والمادة 1 من قانون المحاماة

عبر تاريخها الذي جاوز مائة عام لعبت نقابة المحامين دورًا محوريًا عبر الحقب المختلفة في الحركة الوطنية المصرية والنضالات من اجل الديمقراطية والسيادة الشعبية، وكانت منصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير حتى في أحلك الظروف السياسية وأدقها. لدرجة ان هذه النقابة العريقة قادت هذه الحركة في غير مرحلة من مراحل تطورها. وربما لهذا السبب يختزل قطاع كبير من المهتمين بالشأن العام نقابة المحامين في أدوارها السياسية أو الوطنية، ويتجاهل التفاعلات الداخلية في النقابة بما في ذلك من تعارض وتقاطع المصالح المهنية والطبقية فيها، وتمثيلها داخل الهياكل النقابية، ومن ثم يغض الطرف عن تأثير هذه التفاعلات على تنظيم مهنة المحاماة وحقوق المحامين الاجتماعية. والحقيقة ان تنظيم مهنة المحاماة في أغلب بلدان العالم من الأهمية بمكان، ما يقتضي الامر معه تنظيمها من خلال قانون، يعتبر في بعض الأحيان من القوانين الأساسية او المكملة للدستور، وذلك لعلاقة المحاماة الوثيقة بحسن سير مرفق العدالة وبدرجة حكم القانون.

ولا شك ان المحامين أنفسهم باختلاف خلفياتهم السياسية – رغم متاعب مهنتهم وشقائهم فيها وصعوبة حياتهم وعدم استقرارها – لم يتخلوا عن أمالهم في استعادة نقابة المحامين لأدوارها الوطنية، إلا ان اولوياتهم تظل مرتبطة بالتفاعلات الداخلية المهنية والطبقية لا سيما وان هذه التفاعلات تتحكم بشكل كبير في علاقة النقابة بأجهزة الدولة وسلطتها وهو ما يؤثر بطبيعة الحال على مجمل حياة المجتمع بنفس قدر اتصال مهنة المحاماة بتنظيم هذه الحياة. ولهذا السؤال الذي يجب ان يشغل اهتمام جمهور الشأن العام، على الأقل، في المقام الأول ليس “أين دور نقابة المحامين في القضايا السياسية والوطنية؟” انما هو “كيف نفهم التفاعلات الداخلية في نقابة المحامين وتأثيراتها؟”. ومن هذا المنظور؛ القانون في السياق Law in Context، نطرح في هذا المقال (من جزئين) تحليل لقانون المحاماة وتعديلاته الأخيرة، حيث نناقش في الجزء الأول، الدلالات الرمزية لهذه القانون وتعديلاته على مساحة الديمقراطية النقابية. ونناقش في الجزء الثاني، دلالته على واقع تنظيم مهنة المحاماة.  

  1. الديمقراطية النقابية مقابل المركزية النقابية

“ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطي”

المادة 77 من الدستور

“نقابة المحامين مؤسسة مهنية تضم المحامين في جمهورية مصر العربية وتتبعها نقابات فرعية”

المادة 121 من قانون المحاماة

لا شك ان النقابات المهنية ولا سيما نقابة المحامين كما نعرفها اليوم ليست مجرد منظمة غير حكومية أو محض رابطة طواعية ما بين أعضائها حيث تتمتع بصفة المرفق العام المهني لما تضطلع به من أدوار تنظيمية أبرزها الترخيص بمزاولة المهنة “المحاماة”. ومع ذلك تعتبر نقابة المحامين واحدة من أهم وأكبر المنظمات الديمقراطية حيث يديرها مجالس منتخبة من أعضائها. وبخلاف تنظيم مهنة المحاماة في فرنسا حيث تعتبر التعددية النقابية أساس هذا التنظيم (يوجد بفرنسا أكثر من خمسين نقابة محامين إقليمية ونوعية أبرزها نقابة المحامين بباريس Ordre Des Avocats Du Barreau De Paris التي ينخرط في عضويتها نحو 30 ألف محام[1]) يحظر الدستور المصري التعددية النقابية المهنية ويأخذ بنظام الأحادية النقابية. والحقيقة ان تنظيم مهنة المحاماة في مصر عرف فيما سبق، التعددية النقابية “النوعية” في النصف الأول من القرن العشرين، حيث عملت نقابة المحامين أمام المحاكم المختلطة، ونقابة المحامين الاهلية، ونقابة المحامين الشرعيين، جنبًا إلى جنب باعتبارها نقابات محامين نوعية متعددة[2].  

ومع إلغاء المحاكم المختلطة ولاحقا المحاكم الشرعية[3]، وفي ظل احتدام الصراع ما بين عبد الناصر ونقابة المحامين على خلفية أزمة مارس من سنة 1954 تم حل مجلس نقابة المحامين، بعد ان قامت جمعيتها العمومية بتأييد موقف رئيس الجمهورية الأسبق محمد نجيب وطالبت بعودة الديمقراطية النيابية، وتعيين مجلس مؤقت برئاسة النقيب عبد الرحمن الرفاعي الذي تعرض لانتقادات حادة وقتها لقبوله هذا التعيين[4]، وصدر بعدها القانون رقم 96 لسنة 1957 الذي أنهي رسميًا التعددية النقابية وأصبحت معه نقابة المحامين نقابة مركزية. ورغم ان هذا القانون الأخير قد نص على استمرار عمل اللجان الفرعية المشكلة بدائرة كل محكمة استئناف، عدا محكمة استئناف مصر، وبدائرة كل محكمة ابتدائية لا تقع بدائرة محكمة الاستئناف، إلا ان هذه اللجان لم تكن تتمتع بالشخصية الاعتبارية وكانت اختصاصاتها محدودة وقاصرة على تمثيل النقابة العامة في دائرة تمثيلها الإقليمية. وتحولت هذه اللجان الفرعية بموجب القانون رقم 61 لسنة 1968 إلى نقابات فرعية تشكل بدائرة كل محكمة ابتدائية إلا ان هذه النقابات الفرعية لم تتمتع بدورها بالشخصية الاعتبارية.

ورغم ان القوانين المتعاقبة قد اشترطت تمثيل المحامين بدائرة كل محكمة استئناف من خلال انتخابات مجلس النقابة العامة إلا ان مشكلات أساسية جعلت هذا التمثيل شكليًا، مما يوضح كيف تتعارض الديمقراطية النقابية مع المركزية النقابية؛ فمن ناحية عدد محاكم الاستئناف في مصر لا يزيد عن ثمانية محاكم فحسب يتبعها عدد من مأموريات الاستئناف، تقريبًا بدائرة كل محكمة ابتدائية، وحيث تجاهلت القوانين المتعاقبة تمثيل هذه المأموريات أصبح تمثيل المحامين إقليميًا محدود وغير فعال. ومن ناحية أخري نظام انتخاب أعضاء مجلس النقابة العامة من خلال الجمعية العمومية للمحامين أدي من الناحية العملية لعدم تحكم المحامين بدائرة كل محكمة استئناف في انتخاب ممثلهم بمجلس النقابة العامة. وكثير من الأحيان يفشل المرشح عن دائرة محكمة الاستئناف في كسب ثقتها إلا انه يفوز بالمقعد المخصص لتمثيلها بأصوات المحامين بدوائر الاستئناف الأخرى. وهذا النظام ساهم على سبيل المثال في حصول المرشحين من الاخوان المسلمين لفترة طويلة من تاريخ النقابة على أغلبية مقاعد مجلس النقابة العامة على خلاف إرادة المحامين بأغلبية دوائر محاكم الاستئناف.   

وفي سياق تضاعف اعداد المحامين وتنوع مصالحهم النقابية والطبقية وتزايد أهمية توزيع موارد نقابة المحامين الكبيرة على أعضائها إقليميًا؛ أعترف قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 لأول مرة بالشخصية الاعتبارية لنقابات المحامين الفرعية وأصبح لها موازنة تقديرية، مستقلة نسبيًا[5]، وموارد مالية خاصة، بخلاف التمويلات المركزية، تمثلت في نسبتها من رسوم التصديق على العقود، وهو ما جعل بعض النقابات الفرعية، مثل نقابة المحامين بالجيزة قادرة بمواردها على منافسة النقابة العامة نفسها. وخلال ازمة تسديد الاشتراكات السنوية رفض عدد من النقابات الفرعية، على رأسها نقابات المحامين الفرعية في شمال الدقهلية والسويس وغرب الإسكندرية، العمل بقرارات مجلس النقابة العامة بشأن شروط القيد بجداول المحامين وسداد الاشتراكات السنوية[6]. وبموجب تعديل قانون المحاماة رقم 197 لسنة 2008 الذي سمح بتمثيل النقابات الفرعية لأول من خلال انتخاب جمعيتها العمومية لممثليها في مجلس النقابة العامة، فأصبحت أغلبية هذا المجلس لممثلي النقابات الفرعية، وكانت نقابة المحامين على عتبة التحول لفيدرالية نقابية او اتحاد ما بين نقابات المحامين الإقليمية.

وكان الطريق ممهد لتبلور مطلب تدشين “نقابة المحامين بالإدارات القانونية” كأول نقابة محامين نوعية تتمتع بالشخصية الاعتبارية وتضم في عضويتها المحامين بشركات القطاع العام وقطاع الاعمال والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية وتدخل تحت لواء نقابة المحامين او فيدرالية المحامين. خاصة وان هذه الفئة النوعية من المحامين باختلاف درجة قيدهم أمام المحاكم لديها أجندة نقابية مطلبية مختلفة، عن سائر المحامين، تتمثل في حقوقهم الوظيفية واستقلالهم من الناحية المهنية إزاء الدولة كصاحب عمل. وهو الامر الذي يرتبط بتنظيم عملهم من خلال قانون خاص هو القانون رقم 47 لسنة 1973 بشأن الإدارات القانونية الذي ينص على خضوع المحامين بالإدارات القانونية لإشراف لجنة الإدارات القانونية بوزارة العدل. وحقيقة الامر ان استقلال المحامين بالإدارات القانونية بتنظيمهم النقابي، ولو نسبيًا على الأقل، مطلب ملائم لمصالح المحامين بالإدارات القانونية والمحامين المستقلين على السواء، رغم تعارض مصالح الفئتين من المحامين في المجمل وبشكل لا يمكن الالتفات عنه، ومع هذا يتجاهل النقابين حيوية هذا المطلب لأسباب محض انتخابية.

ويشعر المحامين المستقلين بالغبن تجاه مزاحمة المحامين بالإدارات القانونية لهم في الخدمات التي يقدمها صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية للمحامين، بالنظر لأنهم يتمتعون بالحماية التأمينية التي توفرها الدولة لموظفيها، وهو ما لا يتمتع بها المحامين المستقلين كأصحاب مهن حرة. وبينما يري المحامين بالإدارات القانونية انهم مهمشون داخل نقابة المحامين ومطالبهم مستبعده من أجندة النقابة، يري المحامين المستقلين ان تأثيرهم على نتائج انتخابات النقابة تأثيرًا سلبيًا، رغم تراجع وزنهم النسبي من الناحية الانتخابية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كنتيجة لتقلص القطاع العام برمته ومن ثم اعداد العاملين به، وتزايد اعداد المحامين المستقلين باضطراد. وبشكل عام وبغض النظر عن تأثير تصويتهم في الانتخابات، يظل تمثيل المحامين بالإدارات القانونية تمثيل محدود وقاصر على تمثيلهم في مجلس النقابة العامة دون مجالس النقابات الفرعية. ولهذا لا يمكن ان تستمر المركزية النقابية لما تخلفه من أزمات تمثيل حادة. وهذا النقد الذي نسوقه يكشف عن مسار تطور، وإمكانية ديمقراطية، تعكسها شبكة العلاقات الداخلية في نقابة المحامين.

إلا ان هذا التطور انقطع، مرحليًا على الأقل، بعد تجاهل معالجة مسالة المحامين بالإدارات القانونية، والعودة لنظام تمثيل المحامين بدوائر محاكم الاستئناف من خلال الجمعية العمومية للمحامين. وهو ما يعتبر أحد أخطر نتائج تعديل قانون المحاماة الأخير رقم 147 لسنة 2019 الذي استبعدت النقابات الفرعية من النقاش بشأنه وأقره البرلمان دون حتى أن يعرف المحامين تفاصيل وافية عن مشروعه او محتواه قبل إصداره ونشره بالجريدة الرسمية. وبشكل مرتبط عدل القانون الأخير عن تمثيل المحامين بدوائر المحاكم الجزئية بمجالس النقابات الفرعية من خلال انتخاب جمعيتها العمومية لممثليها – وكان هذا النظام قد استحدث بموجب القانون رقم 197 لسنة 2008 – وهو ما من شأنه عدم تحكم المحامين بدوائر المحاكم الجزئية من انتخاب ممثليهم، ومن ثم إضعاف الديمقراطية النقابية وتقليص مساحتها ليس فحسب على مستوى النقابة العامة انما كذلك على مستوى النقابات الفرعية. وتصب هذه التعديلات التي تعتبر بمثابة خطوتين إلى الوراء لصالح تكريس المركزية النقابية، مما يلقي بشكوك كثيفة حولها والغرض من إقرارها ورعاية نقيب المحامين لها. وهو ما قد نكشف بعض الغموض عنه بموضع لاحق من هذا المقال.            

  • النقيب الأب: البحث عن التراجيدية

“نقيب المحامين هو الذي يمثل المحامين ويتكلم باسهم ويحافظ على كرامة النقابة وكرامة أعضائها”

المادة 136 من قانون المحاماة

خلال أكثر من مئة عام تعاقب على رئاسة نقابة المحامين 24 نقيب ثلاثة ارباعهم انتخبوا خلال الفترة من 1912: 1952 وحدها مما يعكس تغيير هائل في طبيعة هذا المنصب من الوظيفة التمثيلية إلى السلطة الابوية خلال السبعة عقود الاخيرة. والحقيقة كان فوز النقيب الشاب أحمد الخواجة سنة 1966، في انتخابات نقابة المحامين على النقيب المخضرم عبد العزيز الشربجي حدثًا محوريًا في تاريخ نقابة المحامين وايذانًا بتدشين حقبة النقيب الاب – البطل التراجيدي الذي كان مثل جيله يرى انه على موعد مع القدر. كان الشربجي وفدي الميول أحد أبرز مناصري الديمقراطية النيابية وقتها، وأعتبر ومن ورائه المحاميين جماعة ضغط لا يستهان بها أجبرت عبد الناصر على الذهاب لمبني النقابة مرتديًا رداء المحاماة الأسود في إشارة لتفهمه مطالب المحامين. بينما كان الخواجة مرشح مقربًا من حكومة عبد الناصر، ومازال المحامين يتذكرون كيف كانت مهمة إعادة انتخابه كنقيب سنة 1971 محمولة على أكتاف المحامين بالإدارات القانونية بعد ان ضمتهم مساعيه وتفاهماته مع الحكومة إلى عضوية النقابة خلال فترة ولايته الاولي[7].

إلا ان الرجل اظهر خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين قدرة استثنائية على الصمود أمام حكومة السادات ومحاولتها التدخل في شؤون النقابة، وما من أحد يستطيع ان ينكر دور الخواجة في معارضة اتفاقية السلام مع إسرائيل سنة 1979. وخلال المرحلة التي تلت اغتيال السادات كان الطريق ممهد امام الخواجة لتدشين سياسة متوازنة في العلاقة ما بين نقابة المحامين وأجهزة الدولة ومؤسستها. وأسفرت هذه السياسة عن إصدار قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 الذي ناضل المحامين من اجل انتزاعه طويلًا. ومن بين أبرز ما تضمن هذا القانون الأخير ما جاء بالفقرة الثانية من مادته 136 وهو حظر الترشح لمنصب نقيب المحامين لأكثر من دورتين متتاليتين. وهذا النص كان يوازن مابين سلطة الخواجة الابوية على المحامين حيث يصعب اقصائه عن تمثيلهم بغتة، وبين أهمية تأكيد طبيعة منصب النقيب التمثيلية وتجاوز تركته الابوية ذاتها وعدم السماح بتكرار تجربته، الاستثنائية في تاريخ نقابة المحامين منذ انشائها. ورغم هذا كانت نهاية الخواجة النقابية تراجيدية مثل ولايته حيث سحبت الجمعية العمومية للمحامين الثقة منه ومن مجلسه سنة 1989 في حادثة غير مسبوقة بدورها. وهو ما سنعود لمناقشة لاحقًا لا سيما ما يمثله من مفارقة سقوط الخواجة وهو في مجد مقاومته لحكومة مبارك.

وهذا التمهيد ضروريًا من وجهة نظري لفهم الدلالة الرمزية لإلغاء الفقرة الثانية من المادة 136 من قانون المحاماة بموجب القانون رقم 147 لسنة 2019 الذي يعتبر بمثابة خطوتين إلى الوراء، حيث يرسخ من جديد سلطة النقيب الأب ويستكمل رحلة البحث عن تكرار تراجيدية نقابية يصعب توقع ملامحها. والحقيقة، لقد كان انتخاب سامح عاشور لأول مرة نقيبًا للمحامين سنة 2001، حدثًا ملهمًا ليس فحسب بالنسبة للمحامين وإنما لكافة الجمهور المهتم بالشأن العام وقتها، وكان أمرًا حماسيًا مبشر بمستقبل مهني واعدًا حيث استعاد المحامين نقابتهم في خطوة ضرورية لتعزيز استقلال المهنة. ولا وجه للاستغراب عندما تعرف ان عاشور الناصري ذي الميول الديمقراطية كان قد فاز في تلك الانتخابات على شيخ من شيوخ المحامين وهو رجائي عطية المدعوم من الحزب الوطني الديمقراطي وجماعة الاخوان المسلمين معًا. وهي الانتخابات الاولي من نوعها بعد فترة طويلة من التوتر ما بين المحامين والحكومة خلال حقبة التسعينيات من القرن العشرين، حيث فرضت الحراسة القضائية على النقابة قبل نحو خمس سنوات من انتخاب عاشور.

ومع ذلك، كان نجاح عاشور مقيدًا بأغلبية مجلس نقابة المحامين من الاخوان المسلمين وعلى رأسهم أمين عام النقابة الأسبق أحمد سيف الإسلام نجل مؤسس الجماعة حسن البنا. وكان أمام عاشور تحدي مزدوج هو متابعة سياسة الخواجة المتوازنة في العلاقة مع أجهزة الدولة ومؤسستها (وهي السياسة التي مازالت تتمتع بشعبية جارفة في أوساط المحامين) من ناحية وان يدير توافق مع جماعة صعبة المراس لها اجندتها الخاصة من ناحية أخري. ونجاح عاشور في هذا التحدي، نسبيًا على الأقل، مهد له الطريق لإعادة انتخابه سنة 2005 وفق نفس المعادلة. وكان من المفترض ان تنتهي تجربة عاشور النقابية مع نهاية هذه الولاية الثانية إلا إن شدة التنافس ما بينه وبين الاخوان المسلمين، والصدام ما بين الحكومة والجماعة في تلك المرحلة، شجعه على تبني مشروع تعديل لقانون المحاماة يتضمن محاولة لتقليص نفوذ الاخوان المسلمين انتخابيًا. وبالفعل أقر البرلمان هذا التعديل بالقانون رقم 197 لسنة 2008 وهو التعديل الديمقراطي في نظام انتخابات النقابة الذي ناقشناه فيما سبق.

 إلا ان هذا التعديل كان قد سبقه بعدة أشهر فحسب حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان انتخابات سنة 2005[8]، ومن المرجح ان يكون هذا الحكم هو ما دعا الأغلبية البرلمانية (الحزب الوطني الديمقراطي) للإسراع في إقرار تعديل قانون المحاماة بمباركة عاشور لكسب أكبر تأييد لهذا القانون من المحامين الذي عارضه نواب الاخوان في البرلمان وقتها. وكنتيجة لصدور حكم محكمة القضاء الإداري وضعت النقابة تحت الحراسة القضائية مجددًا[9]، وفق احكام المادة 135 مكرر من قانون المحاماة المعدلة بالقانون رقم 98 لسنة 1992 أشرفت على انتخابات سنة 2009. وترشح عاشور عمليًا لولاية ثالثة – رغم الحظر الوارد بالمادة 136 من قانون المحاماة لأن حكم إبطال الانتخابات كان من شأنه اعتبار الدورة الانتخابية 2005: 2009 كان لم تكن – إلا ان المفارقة المذهلة كانت فوز حمدي خليفة النقيب السابق بتلك الانتخابات بدعم الحزب الوطني الديمقراطي والاخوان المسلمين.

كان هناك انطباع لدي المحامين بأن الحزب الوطني الديمقراطي يدعم عاشور وهذا الانطباع عززته دعاية الحزب الذي تظاهر بهذا الدعم على خلاف ما يجري بالفعل (وكرست بعض الصحف القومية والمستقلة مساحات عريضة لتصريحات متحدث باسم الحزب مفادها دعم عاشور) كان هذا أحد أسباب انفضاض المحامين من حول عاشور خاصة الشباب منهم. بينما كان خليفة العضو في الحزب الوطني الديمقراطي ومرشحه الحقيقي، يكسب شعبية في أوساط المحامين مستغلًا نجاحات، مبالغ في تقديرها، حققها في فترة توليه منصب نقيب المحامين بالجيزة. واستغل الاخوان المسلمين الفرصة للتخلص من عاشور ودعموا خليفة بقوة. وانتهت هذه الانتخابات التي ادارها وفق تقديرات أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطني الديمقراطي، في إطار خطة أوسع نطاقًا تستهدف توريث الحكم في مصر، لإقصاء عاشور وتقليص تمثيل الاخوان المسلمين في مجلس النقابة العامة ومجالس النقابات الفرعية. كانت هذه النتيجة مفاجأة للجميع، إلا ان بعض دلالتها كان إيجابيًا، حيث عكست رفض المحامين التماهي مع محاولة إعادة انتاج النقيب الاب.

ومع اندلاع الانتفاضة في 25 يناير من سنة 2011 كانت هناك حالة عامة من السخط تجاه خليفة الذي اتضح سريعًا للمحامين انهم خدعوا في حقيقته، فعارضوه بشراسة استثنائية، خاصة في ظرف كان يبدو وكأنه بداية عصر التغييرات الكبرى. وتزامن مع هذه الاحداث صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون سيء السمعة رقم 100 لسنة 1993 بشأن ضمانات ديمقراطية التنظيمات النقابية المهنية[10] وهو القانون الذي أجريت انتخابات نقابة المحامين على أساسه مما فتح المجال امام الطعن على العملية الانتخابية برمتها. وبالفعل صدر حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان انتخابات نقابة المحامين[11] وعلى هذا الأساس شكلت لجنة قضائية مهمتها الاشراف على انتخابات سنة 2011 التي انتخب فيها عاشور بسهولة نقيبًا للمحامين لولاية ثالثة غير متتالية[12] مع مجلس متوازن ما بين تيار عاشور “القومي” وتيار الاخوان “الإسلامي”. وخلال فترة وجيزة من انتخاب عاشور كان يقود فريق الدفاع عن المدعيين بالحق المدني في قضية قتل المتظاهرين في احداث يناير 2011 التي كان مبارك المتهم الأول فيها.

وفي العام التالي لانتخاب عاشور كانت الذكري المئوية لتأسيس نقابة المحامين 1912: 2012 واقيم احتفال ضخم بهذه المناسبة حضره محمد مرسي الرئيس الأسبق المنتمي لجماعة الاخوان المسلمين. وكانت الأمور تسير في اتجاه احتمال نجاح التعايش ما بين عاشور والاخوان المسلمين. إلا ان الاحداث السياسة تسارعت بشكل درامي وصولًا لاندلاع انتفاضة 30 يونية من سنة 2013 وما أسفر عنها من عزل مرسي وإطلاق مرحلة انتقالية جديدة استبعد منها الاخوان المسلمين. وهو ما ساعد عاشور على التخلص من ممثليهم في مجلس النقابة العامة بإسقاط عضويتهم وإعادة تشكيل هيئة المكتب لأول مرة بدون مشاركتهم. ورغم ان هذه الإجراءات قد اتخاذها عاشور بترحيب من أغلبية المحامين إلا انها مثلت نقطة تحول في طبيعة الدور الذي يلعبه عاشور في إدارة الشؤون النقابة، خاصة بعد إعادة انتخابه سنة 2015، لولاية رابعة منقطعة وثانية متتالية، بعد فوزه المريح على محامي الجماعة الإسلامية منتصر الزيات، مما عزز نفوذه الابوي وانعكس على أدائه الذي اتسم بقدر كبير من التحكمية خلال ولايته الأخيرة بشكل تقلصت معه مساحة الديمقراطية النقابية.

  • جمعية المحامين ومجالس نقابتهم “من يمثلنا؟”

“وإذا لم يوجه النقيب الدعوة خلال ثلاثين يومًا اجتمعت الجمعية العمومية بقوة القانون”

المادة 128 من قانون المحاماة

في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين مع تصاعد وتيرة معارضة حكومة مبارك لعبت النقابات المهنية، ولاسيما نقابة المحامين وعلى رأسها النقيب أحمد الخواجة، دورًا بارزًا في دعم هذه المعارضة وتبني مطالبها خاصة تلك المتعلقة بحريات الرأي والتعبير وإعادة إطلاق مسار الديمقراطية النيابية. إلا ان هذا لم يكن كاف لتهدئة معارضة الخواجة داخل نقابة المحامين خاصة مع اختلاف التركيبة الطبقية للمحامين وتزايد اهتمامهم بتوزيع موارد النقابة المالية. وهو ما أدي لسحب الثقة من الخواجة ومجلسه، سنة 1989 كما أشرنا فيما سبق. والحقيقة ان الجمعية العمومية غير العادية للمحامين التي أسقطت الشرعية عن الخواجة، وفي سابقة هي الاولي من نوعها، وبطريقة تراجيدية بالنظر لمكانة الرجل وتاريخه، كان ما يحركها بالأساس هو اعتراضها على ميزانية النقابة لما شابها من أوجه عوار. ورغم ان الخواجة نجح في تامين إعادة انتخابه لولاية ثالثة متتالية سنة 1992 بالمخالفة للقانون إلا ان هذا تطلب ان يحصل الخواجة على دعم الاخوان المسلمين وأن يسمح لهم بالسيطرة على أغلبية مقاعد مجلس النقابة العامة لأول مرة لتستمر هذه السيطرة قائمة لمدة عقدين من الزمن.        

وليست من باب الصدفة ان تعديل قانون المحاماة الأخير الذي ألغى حظر ترشح النقيب لأكثر من دورتين متتاليتين، وأعطى حصانة إجرائية لنقيب المحامين من تحريك الدعوي الجنائية والتأديبية[13]، بما يطلق سلطته الابوية على المحامين بشكل غير مسبوق، قد تضمن علاوة على كل هذا؛ تشديد شروط انعقاد الجمعية العمومية غير العادية للمحامين فيما يبدو احتراز من انفجار وشيك لغضب المحامين قد يجرف معه شرعية النقيب القادم ومجلسه المتوقع انتخابهم سنة 2020. حيث يشترط التعديل الأخير لقانون المحاماة إذا كان طلب عقد الجمعية العمومية غير العادية لسحب الثقة من النقيب أو عضو أو أكثر من أعضاء مجلس النقابة، لصحة انعقادها ان يوقع على الطلب خٌمس عدد الأصوات التي حصل عليها النقيب او العضو المطلوب سحب الثقة منه مصدقًا على توقيعاتهم من النقابة الفرعية المختصة ويكتمل نصابها بحضور عُشر عدد أعضاء الجمعية العمومية وتكون رئاستها في هذه الحالة لأكبر أعضائها سنًا من غير أعضاء مجلس النقابة[14]. وهذا التعديل رغم وجاهة منطقه المجرد من شأنه عرقلة انعقاد الجمعية العمومية غير العادية للمحامين لأسباب عمليه محضة.  

والمفارقة ان تعديل قانون الأخير لم يمس شروط انعقاد الجمعية العمومية العادية للمحامين التي يصح انعقادها كهيئة انتخابية بحضور ثُلث أعضاء الجمعية العمومية او ثلاثة ألاف عضو إيهما أقل[15]. بينما يشترط تعديل القانون حضور خمسة أضعاف هذا العدد الأخير على الأقل، لصحة انعقاد الجمعية العمومية غير العادية للمحامين التي تختص دون سواها بسحب الثقة من نقيب المحامين ومجلسه إذا كان لهذا ما يبرره[16]. وكانت حكومة مبارك قد استغلت عزوف المهنيين عن المشاركة في انتخابات النقابات المهنية كنتيجة لشدة مركزية هذه النقابات وتعارض المصالح الطبقية لأعضائها في محاولة عرقلة انعقاد الجمعية العمومية العادية لنقابات المهنية من خلال القانون سيء السمعة رقم 100 لسنة 1993 وتعديلاته حيث أشترط هذا القانون لصحة انعقاد الجمعية العمومية حضور نصف أعضائها في الجولة الاولي من الانتخابات وثلث أعضائها في الجولة الثانية من الانتخابات وهو ما أسفر عن وضع أغلب النقابات المهنية تحت الحراسة القضائية باستثناء نقابة الصحفيين ونقابة المحامين. ومع ذلك لم تسلم نقابة المحامين تمامًا من جراء تطبيق هذا القانون الذي تسبب في فرض الحراسة على نقابة المحامين بالقاهرة لعدم اكتمال نصاب جمعيتها العمومية العادية طوال فترة العمل بهذا القانون.

ورغم ان القانون 100 لسنة 1993 قد أصبح في طي النسيان حيث حكم بعدم دستوريته، كما أشرنا فيما سبق، إلا إن خبرة النقابات المهنية في ظل تطبيقه، توضح بما لا يدع مجال للشك، أن تشديد شروط انعقاد الجمعية العمومية للنقابات سواء تلك العادية او غير العادية باسم الديمقراطية في حقيقته عمل معرقل للديمقراطية. وعندما تكون المسألة هي حصانة مجالس النقابات المنتخبة في مقابل التخوف من الجمعية العمومية، فعلينا ان نسأل من يمثل المحامين؟ خاصة وان ديمقراطية نقابة المحامين ليست محض ديمقراطية تمثيلية، يقتصر فيها دور الناخب على الإدلاء بصوته كل دورة انتخابية، وانما يتعدى الامر ذلك حيث يحق لكل ناخب – عضو بالجمعية العمومية للمحامين، ان يشارك في الرقابة على عمل المجالس المنتخبة وأن يضع لها أولوية اهتماماتها طوال فترة ولايتها، بما في ذلك المشاركة في إقرار ميزانية النقابة التقديرية التي تتحكم في توزيع موارد النقابة وتحدد أوجه صرف أموالها وهو ما يعتبر شكل من أشكال الديمقراطية التشاركية  Participatory Democracyالتي مارسها المحامين داخل نقابتهم على فترات متقطعة في تاريخها الطويل.  

وبطبيعة الحال، قد يعترض البعض على هذا من منطلق الحفاظ على التوازن ما بين جمعية المحامين ومجالس نقابتهم. إلا ان هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة ان الجمعية العمومية، هيئة صاحبة اختصاص أصيل، بينما تعمل مجالس النقابة بموجب تفويض مشروط بالتزامها بالقانون من ناحية وبإرادة جمعية المحامين من ناحية أخرى، والتي من حقوقها التي لا يمكن التنازل عنها الحق في حجب الثقة عمن يمثلها. وقطعًا يعمل اختلاف المصالح المهنية والطبقية وتعارضها أحيانًا على إحداث شقاق داخل جمعية المحامين حول كل قضية ومسألة تقريبًا، وتفاوت في درجة الاكتراث بأهمية المشاركة، إلا ان هذ لا يعني انه ليس من حق الأغلبية النسبية – التي تكفي لانتخاب النقباء والمجالس – حسم هذا الخلاف لصالحها في لحظة بعينها، بالنظر لتحرك هذه الأغلبية بمساحات المصالح مختلفة. وتظل هناك ضرورة لتقليص اختصاصات النقابة العامة تدريجيًا بما يخفف من شدة المركزية النقابية، ويصب في اتجاه تحول نقابة المحامين لفيدرالية يدخل تحت لوائها نقابات إقليمية ونوعية بما يساعد على امتصاص التوتر ما بين المصالح المختلفة والمتعارضة أحيانًا داخل النقابة ويعزز من ديمقراطيتها الداخلية.              


[1] Link: https://www.hg.org/bar-associations-france.asp

[2] تأسست نقابة المحامين امام المحاكم المختلطة سنة 1876 بينما تأخر تأسيس نقابة المحامين الاهلية لسنة 1912 ولاحقًا تأسست نقابة المحامين الشرعيين سنة 1916.

[3]  ألغيت المحاكم المختلطة وفق اتفاقية مونتريال سنة 1949، وألغيت المحاكم الشرعية بدورها سنة 1956 ليصبح تنظيم القضاء في مصر وطني خالص وينقسم ولائيًا إلى قضاء عادي وقضاء إداري.

[4] See: Donald M. Reid, The National Bar Association and Egyptian Politics, 1912-1954. The International Journal of African Historical Studies Vol. 7, No. 4 (1974), pp. 608-646.

[5]  تنص المادة 162 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1981 على أن “يضع مجلس النقابة سنويًا موازنة تقديرية مجمعة تضم الموازنات التقديرية للنقابات الفرعية” ورغم ان المادة 160 من نقس القانون، تلزم النقابة العامة دون سواها بتعين مراقب حسابات إلا ان بعض النقابات الفرعية مثل نقابة المحامين ببورسعيد خلال الدورة النقابية 2012: 2016 في ولاية النقيب السابق صفوت عبد الحميد عينت مراقب حسابات خاص بها واضلعت جمعيتها العمومية، وفق المادة 149 من نفس القانون، بالنظر في تقرير وملاحظات مراقب الحسابات على الحساب الختامي للنقابة الفرعية.

[6]  انظر: جريدة الاهرام؛ بتاريخ 18 يناير 2018. رابط: http://gate.ahram.org.eg/News/1780491.aspx (أغسطس 2019)

[7]  أنضم المحامين بالإدارات القانونية لعضوية نقابة المحامين بموجب قانون المحاماة رقم 61 لسنة 1968.

[8] محكمة القضاء الإداري بالقاهرة: الحكم رقم 19524 لسنة 59 ق بجلسة 10 فبراير 2008 (غير منشور)

[9] محكمة القضاء الإداري بالقاهرة: الحكم رقم 4369، و8704 لسنة 63 ق. بجلسة 15 يناير 2009 (غير منشور)

[10] المحكمة الدستورية العليا: الحكم رقم 198 لسنة 23 ق. بجلسة 2 يناير 2011 (القاهرة: الجريدة الرسمية، العدد الأول مكرر بتاريخ 8 يناير 2011) ص 3: 10.  

[11] محكمة القضاء الإداري بالقاهرة: الحكم رقم 15579 لسنة 65 ق. بجلسة 6 يوليه 2011 (غير منشور)

[12] عجز الاخوان المسلمين في تلك الانتخابات عن إيجاد مرشح منافس لعاشور يمكنهم دعم ترشحه، وتفرقت أصواتهم ما بين تأييد منتصر الزيات ومختار نوح المنشق عن الجماعة.

[13] تنص المادة 103 من قانون المحاماة المعدلة بالقانون رقم 147 لسنة 2019 على انه “تسري أحكام قانون السلطة القضائية بشأن رجال القضاء على جميع إجراءات التحقيق أو رفع الدعوى العمومية أو التأديبية على النقيب عام للمحامين”.  

[14] المادة 129 من قانون المحاماة المعدلة بالقانون رقم 147 لسنة 2019.

[15] المادة 127 من قانون المحاماة.  

[16] يبلغ عدد المحامين وفق قاعدة بيانات أخر جمعية عمومية انتخابية، المنعقدة سنة 2015، نحو 200 ألف محام. ومن المرجح ان ينخفض هذا العدد في الجمعية العمومية الانتخابية، المتوقع انعقادها سنة 2020، إلى نحو 150 ألف محام نتيجة لتنقية الجداول ومحو قيد عدد كبير من المحامين ونقل عدد أخر لجدول المحامين غير المشتغلين. ولهذا وفق تعديل القانون الأخير سيكون مطلوب لصحة اجتماع الجمعية العمومية غير العادية حضور نحو 15 ألف محام بينما يصح اجتماع الجمعية العمومية العادية كهيئة انتخابية بحضور 3 ألاف محام فحسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top